الملتقى
04-12-2007, 06:12 AM
أهلا منتصف الليل ..أهلاً بالذاكرة المحكية ..أهلاً بك أيها الصمت بوزنك الثقيل على منكبيّ ..وأهلاً بكِ أيُّهات الرياح المِهْدَاج، تأتين إلينا بحنين الصوت ..! وأهلاً بالكتابة !قلبي يغرفُ من دمه وأنا أولج القلم في رحم الورق وأكاد أجزم في خلوتي بأن لعينيّ آذانا تسمع همهمات النور المنسكب من سقف الحجرة محدثة أصوات بليغة لا تلمها لغة ولا ينضّدها لفظ!
ألاحق رأسي بالأسئلة الواخزة، منذ بدأت أعالج مصطلح الرؤية في بدايات مراهقتي في ثورة الشباب في البلاهات التي اجترحتها لأدمي تقليدية الغير وعرفهم بشبقي للخروج على المألوف والاعتداد بالأنا ..!بالبحث عن سر وجودي، عن مصطبة تليق بالأنا، و يا لهذه الأنا كلما أوغلتُ فيها اكتشفت حجم تفاهتها ! تبدأ بانفجار لتراوح بين غفلة وإفاقة وتترى عليها الأزمنة لتفضح أكذوبة وجودها لتعري رغباتها البدائية حتى تتضاءل فيأتي الموت منجداً يصعدُ بها لتسمو وترتقي!
لقد تعلمتُ فناً عريقا لم نتعلمه على مقاعد الدراسة ولم يحك لنا عنه أسلافنا إلا اللمم.. فن التصالح مع الموت وتسليم أجسادنا وأفكارنا له كهدية فاخرة بطيب نفس.. فجميل أن نموت برضى.. أن نغمض الإغماضة الأخيرة بسلام انتظار لا يشوبه تخبط وبحث عن قشة الغريق ..أن نقول وداعاً بابتسامة وديعة على وجوهنا مطمئنين بأن هناك رؤى أخرى تنتظرنا هناك حين ينكشف عنا الغطاء ليستحيل البصر حديدا، فالرؤية لا تنعدم بالموت، والرؤية لا تقف حدودها على عتبة مقلة، فالأعمى يرى وإن لم تصطبغ رؤاه باللون وتلمع بالضوء، هو يرى حين صنع من يديه مآق ومن أذنيه محجرين تدور فيهما حبات العيون بتصالح مع ألق الفكر .
أتدرون كم ميتة نموت؟ صدقوني ليست واحدة ولست ممن يوثقون وينافحون عن مصطلح العبثية أو العدم، فقلبي مطمئن لحقيقة تعدد الميتات، يتلوها حيوات أخرى حتى انسلاخ الروح عن الجسد هو موت يليق بصاحبه فالموت عادل لا يظلم أبداً فهو ينجو بأصحاب الحناجر الماضي عليها حد السكين من حشرجة التشبث بحياة نرجوها عبثا من يد لا ترحم .وهو ينجو بالقلب الذبيح وهو يتفطر ألماً لغياب مباهجه ..الموت واحد لا يتجزأ يأتي ليسمو بصاحبه فوق عالم يغدو حشرة يدوسها بقدمه الراحل ويصعد!
وهنا لا أتحدث فقط عن موت تقليدي ترتعدُ له فرائصنا، ولا أريد أن أغمس القلب العامر بالأمل في أسود الألم ..هنا أريد أن أدافع عن حق لي وللآخرين بالموت والانبعاث من جديد ..فقد قص لي أخي قصة حقيقية قد تبدو تافهة للمتلقي في باكورة الحكاية، لكنها حتماً ستتعاظم بأهميتها لتغدو هاجساً مريحا يهجس به الحصيّف الباحث عن مخرج لمأزق تشعُب الطرق والوجهات أمامنا ونحن نضرب بعصانا يمينا وشمالاً علّنا نجد مخرجا..!
هو رجل فقد بصره في الستينيات من عمره ..تاجر أقمشة في أحد أسواق الرياض القديمة له حانوت صغير يربض على أحد الأزقة الضيقة، وفي آخر الزقاق داره، لم يسبق أن خرج من محيطه، لم يخط خطوة واحدة نحو قلب العاصمة الحديثة .الزمن يوازيه، من الحانوت إلى الدار وبالعكس.. ألف ملمس الأقمشة وتعودت عيناه على الألوان المنسكبة من أمتار القماش المتهدلة بين يديه، مركز الكون له هو زقاقه وجدران حانوته وحجرات داره حتى أتته يوماً دعوة قلبت حياته! دعوة إلى المنطقة الشرقية في السعودية لحضور حفل زفاف حيث رمل الصحراء يتدرج بملحه من ملح قفر إلى ملح شاطيء بحري للخليج العربي فزم هذا الرجل" بقجته" وسافر لأول مرة نحو الشرق، وبعد حفل الزفاف ذهب مع الأصدقاء لرؤية البحر في صبيحة يوم فاصل في حياته!
هل هذا هو البحر؟ يبدو كأمتار من القماش الأزرق اللامتناهية يموج.. يموج ويتهدل على أطراف أصابعه، هنا قد يقضي عمرا وهو يقيس بذراعه هذا القماش الأزرق ليقصه بمقصه ويطويه بين يدي الزبون، هنا للقماش حفيف مزمجر وهدأة لون مغرية وملمس عميق.. عميق.. عميق!
هنا، على طرف قماش البحر المتموج تحت قدميه وأقدام الأصدقاء دافع بقوة عن مدينته القديمة عن خصوصية البيئة التي خرج منها عن أفضليتهم على الغير / الآخر. هنا عرف لأول مرة الصدام مع غيره وهو الغريب بينهم.. بالعادة يصطدم بالآخر وهو في مدينته فيكون الآخر غريبا مآله العودة من حيث أتى ..لكنه اليوم يدافع بحذر ويفخر متحاشيا الشجار طالما المثل يقول: دارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم!
عاد صاحبنا بعد رؤية البحر إلى زقاقه ومركز كونه متشبثاً بخصوصيته ومتحمساً لهويته. عاد ليقص لأهله ما رأى واستهجن من قاطني المدينة الأخرى وغفى مطمئناً بأن الأنا هي الأفضل وبأن الوطن زقاق وحصباء طريق ألفها تحت قدميه وعُرف يسترخص دمه بالذود عنه. لم يكن على دراية بأن صباحه الجديد يحمل له موتاً للبصر.. موتاً يشل وجهته و يتلاعب بمهنته كتاجر قماش احترف قلب الألوان دراهم بين يديه! لقد أستيقظ أعمى !فهل جربتم أن تستيقظوا عميان؟ تفتحون وتغلقون أجفانكم عشرات المرات وما من ضوء أو لون يترجمه العقل؟ أن تتلمسوا أجفانكم لتتأكدوا بأنها مفتوحة فتفجعون من جل الخطب؟ أي شهقة؟ أي صرخة؟ أي فزع سيسعف العقل حينها!.. فلو كنتم الآن مثلي تسمعون صوت الكتابة ستدركون ماذا يعني صباح لا نور فيه! وهذا ما دفع به للركض صوب أول طبيب عيون عله يداويه ..بدأ الطبيب يسأله فاحصا عينيه عن الأيام الفارطة فروى له ما حدث وأين كان وكيف أصبح، فلم يكن تشخيص وعلاج الطبيب له إلا قطرة عيون عادية وراحة مصحوبة باسترخاء، وأن يعيد مراجعته بعد أسبوع ..وبالفعل بعد يومين لا أكثر استيقظ أيضا ذات صباح على الضوء الوديع ينسج له اللون كيفما دارت مآقيه! فهرع إلى طبيبه مبشراً وخائفاً من عمى آخر وموت آخر يدهمه في غفلة !
لم يجد الطمأنينة إلا حين شرح له الطبيب أن علاجه لم يكن بقطرة العين بل بالمصالحة مع الأنا والغير.. بالاسترخاء وإعادة التأمل ناهلاً من الذاكرة لحظات عاشها في محيط الغير ..فالعمى الذي أصابه لم يكن إلا نتيجة حتمية للعين التي ألفت الأفق الضيق والمساحات المحدودة.. للرفض الغريزي بداخلنا للمتغير والوافد علينا بالخوف من الإنصهار في بوتقة تلم أطيافا ونسقا متعددة بالنظر بعيداً ومعانقة الآفاق المشرعة للجميع.
وهذا ما دفعني أن أعزز إيماني بحقنا في الموت والرفض كنتيجة طبيعية تسبق حياة جديدة بها وعي ورؤية متفهمة للآخر.. للأنساق والآفاق العديدة من حولنا.. بأن نتفهم رفض الآخر للتغيير ونتأكد بأنها مرحلة لن تدوم، وبأن الموت يخضع لحتمية البعث!
لا أدري كيف فهم هذا الرجل ما آلمه، لكن أخي أحب أن ينهي قصته بنهاية سعيدة فأخبرني بأن هذا المسن أصبح يذهب من وقت لآخر إلى البحر ليتصالح مع الأفق والآخر المختلف عن الأنا، وألف الأزرق اللامتناهي أمام عينيه، بل عشقه أيضاً كوطنه، كزقاقه، كالقماش المدبوغ بالأزرق يذكره بموت مؤقت للبصر وبعث أبدي لرؤية لا تأتي إلا من صاحب بصيرة يرحب بالموت كمرحلة لا أكثر!
*******************
من محكيات الأدب والمطالعة
ألاحق رأسي بالأسئلة الواخزة، منذ بدأت أعالج مصطلح الرؤية في بدايات مراهقتي في ثورة الشباب في البلاهات التي اجترحتها لأدمي تقليدية الغير وعرفهم بشبقي للخروج على المألوف والاعتداد بالأنا ..!بالبحث عن سر وجودي، عن مصطبة تليق بالأنا، و يا لهذه الأنا كلما أوغلتُ فيها اكتشفت حجم تفاهتها ! تبدأ بانفجار لتراوح بين غفلة وإفاقة وتترى عليها الأزمنة لتفضح أكذوبة وجودها لتعري رغباتها البدائية حتى تتضاءل فيأتي الموت منجداً يصعدُ بها لتسمو وترتقي!
لقد تعلمتُ فناً عريقا لم نتعلمه على مقاعد الدراسة ولم يحك لنا عنه أسلافنا إلا اللمم.. فن التصالح مع الموت وتسليم أجسادنا وأفكارنا له كهدية فاخرة بطيب نفس.. فجميل أن نموت برضى.. أن نغمض الإغماضة الأخيرة بسلام انتظار لا يشوبه تخبط وبحث عن قشة الغريق ..أن نقول وداعاً بابتسامة وديعة على وجوهنا مطمئنين بأن هناك رؤى أخرى تنتظرنا هناك حين ينكشف عنا الغطاء ليستحيل البصر حديدا، فالرؤية لا تنعدم بالموت، والرؤية لا تقف حدودها على عتبة مقلة، فالأعمى يرى وإن لم تصطبغ رؤاه باللون وتلمع بالضوء، هو يرى حين صنع من يديه مآق ومن أذنيه محجرين تدور فيهما حبات العيون بتصالح مع ألق الفكر .
أتدرون كم ميتة نموت؟ صدقوني ليست واحدة ولست ممن يوثقون وينافحون عن مصطلح العبثية أو العدم، فقلبي مطمئن لحقيقة تعدد الميتات، يتلوها حيوات أخرى حتى انسلاخ الروح عن الجسد هو موت يليق بصاحبه فالموت عادل لا يظلم أبداً فهو ينجو بأصحاب الحناجر الماضي عليها حد السكين من حشرجة التشبث بحياة نرجوها عبثا من يد لا ترحم .وهو ينجو بالقلب الذبيح وهو يتفطر ألماً لغياب مباهجه ..الموت واحد لا يتجزأ يأتي ليسمو بصاحبه فوق عالم يغدو حشرة يدوسها بقدمه الراحل ويصعد!
وهنا لا أتحدث فقط عن موت تقليدي ترتعدُ له فرائصنا، ولا أريد أن أغمس القلب العامر بالأمل في أسود الألم ..هنا أريد أن أدافع عن حق لي وللآخرين بالموت والانبعاث من جديد ..فقد قص لي أخي قصة حقيقية قد تبدو تافهة للمتلقي في باكورة الحكاية، لكنها حتماً ستتعاظم بأهميتها لتغدو هاجساً مريحا يهجس به الحصيّف الباحث عن مخرج لمأزق تشعُب الطرق والوجهات أمامنا ونحن نضرب بعصانا يمينا وشمالاً علّنا نجد مخرجا..!
هو رجل فقد بصره في الستينيات من عمره ..تاجر أقمشة في أحد أسواق الرياض القديمة له حانوت صغير يربض على أحد الأزقة الضيقة، وفي آخر الزقاق داره، لم يسبق أن خرج من محيطه، لم يخط خطوة واحدة نحو قلب العاصمة الحديثة .الزمن يوازيه، من الحانوت إلى الدار وبالعكس.. ألف ملمس الأقمشة وتعودت عيناه على الألوان المنسكبة من أمتار القماش المتهدلة بين يديه، مركز الكون له هو زقاقه وجدران حانوته وحجرات داره حتى أتته يوماً دعوة قلبت حياته! دعوة إلى المنطقة الشرقية في السعودية لحضور حفل زفاف حيث رمل الصحراء يتدرج بملحه من ملح قفر إلى ملح شاطيء بحري للخليج العربي فزم هذا الرجل" بقجته" وسافر لأول مرة نحو الشرق، وبعد حفل الزفاف ذهب مع الأصدقاء لرؤية البحر في صبيحة يوم فاصل في حياته!
هل هذا هو البحر؟ يبدو كأمتار من القماش الأزرق اللامتناهية يموج.. يموج ويتهدل على أطراف أصابعه، هنا قد يقضي عمرا وهو يقيس بذراعه هذا القماش الأزرق ليقصه بمقصه ويطويه بين يدي الزبون، هنا للقماش حفيف مزمجر وهدأة لون مغرية وملمس عميق.. عميق.. عميق!
هنا، على طرف قماش البحر المتموج تحت قدميه وأقدام الأصدقاء دافع بقوة عن مدينته القديمة عن خصوصية البيئة التي خرج منها عن أفضليتهم على الغير / الآخر. هنا عرف لأول مرة الصدام مع غيره وهو الغريب بينهم.. بالعادة يصطدم بالآخر وهو في مدينته فيكون الآخر غريبا مآله العودة من حيث أتى ..لكنه اليوم يدافع بحذر ويفخر متحاشيا الشجار طالما المثل يقول: دارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم!
عاد صاحبنا بعد رؤية البحر إلى زقاقه ومركز كونه متشبثاً بخصوصيته ومتحمساً لهويته. عاد ليقص لأهله ما رأى واستهجن من قاطني المدينة الأخرى وغفى مطمئناً بأن الأنا هي الأفضل وبأن الوطن زقاق وحصباء طريق ألفها تحت قدميه وعُرف يسترخص دمه بالذود عنه. لم يكن على دراية بأن صباحه الجديد يحمل له موتاً للبصر.. موتاً يشل وجهته و يتلاعب بمهنته كتاجر قماش احترف قلب الألوان دراهم بين يديه! لقد أستيقظ أعمى !فهل جربتم أن تستيقظوا عميان؟ تفتحون وتغلقون أجفانكم عشرات المرات وما من ضوء أو لون يترجمه العقل؟ أن تتلمسوا أجفانكم لتتأكدوا بأنها مفتوحة فتفجعون من جل الخطب؟ أي شهقة؟ أي صرخة؟ أي فزع سيسعف العقل حينها!.. فلو كنتم الآن مثلي تسمعون صوت الكتابة ستدركون ماذا يعني صباح لا نور فيه! وهذا ما دفع به للركض صوب أول طبيب عيون عله يداويه ..بدأ الطبيب يسأله فاحصا عينيه عن الأيام الفارطة فروى له ما حدث وأين كان وكيف أصبح، فلم يكن تشخيص وعلاج الطبيب له إلا قطرة عيون عادية وراحة مصحوبة باسترخاء، وأن يعيد مراجعته بعد أسبوع ..وبالفعل بعد يومين لا أكثر استيقظ أيضا ذات صباح على الضوء الوديع ينسج له اللون كيفما دارت مآقيه! فهرع إلى طبيبه مبشراً وخائفاً من عمى آخر وموت آخر يدهمه في غفلة !
لم يجد الطمأنينة إلا حين شرح له الطبيب أن علاجه لم يكن بقطرة العين بل بالمصالحة مع الأنا والغير.. بالاسترخاء وإعادة التأمل ناهلاً من الذاكرة لحظات عاشها في محيط الغير ..فالعمى الذي أصابه لم يكن إلا نتيجة حتمية للعين التي ألفت الأفق الضيق والمساحات المحدودة.. للرفض الغريزي بداخلنا للمتغير والوافد علينا بالخوف من الإنصهار في بوتقة تلم أطيافا ونسقا متعددة بالنظر بعيداً ومعانقة الآفاق المشرعة للجميع.
وهذا ما دفعني أن أعزز إيماني بحقنا في الموت والرفض كنتيجة طبيعية تسبق حياة جديدة بها وعي ورؤية متفهمة للآخر.. للأنساق والآفاق العديدة من حولنا.. بأن نتفهم رفض الآخر للتغيير ونتأكد بأنها مرحلة لن تدوم، وبأن الموت يخضع لحتمية البعث!
لا أدري كيف فهم هذا الرجل ما آلمه، لكن أخي أحب أن ينهي قصته بنهاية سعيدة فأخبرني بأن هذا المسن أصبح يذهب من وقت لآخر إلى البحر ليتصالح مع الأفق والآخر المختلف عن الأنا، وألف الأزرق اللامتناهي أمام عينيه، بل عشقه أيضاً كوطنه، كزقاقه، كالقماش المدبوغ بالأزرق يذكره بموت مؤقت للبصر وبعث أبدي لرؤية لا تأتي إلا من صاحب بصيرة يرحب بالموت كمرحلة لا أكثر!
*******************
من محكيات الأدب والمطالعة